صلاح عبد الفتاح الخالدي
30
مفاتيح للتعامل مع القرآن
وتدعو المخططين والموجهين والمربين في عالمنا اليوم ، وواضعي الخطط والمناهج التربوية والكتب التعليمية إلى ملاحظة هذه الإشارة القرآنية واللفتة التعليمية فيها . . تلك هي ترتيب المهمة التربوية التعليمية لرسول اللّه عليه الصلاة والسلام ، والعطف على وسائلها بالواو ، وتقديم الأساس على البناء ، والتمهيد على الموضوع ، والبذرة والشجرة على الثمرة والجنى ، والمقدمة على النتيجة ، نأخذ كل هذا من عطف الأفعال المضارعة في قوله : « يتلو عليهم آياته . . ويزكيهم . . ويعلمهم الكتاب والحكمة » إنها مراحل ثلاث متدرجة متتابعة مرتبة : تلاوة القرآن كتمهيد وتخلية واستعداد وتهيئة ، ثم تزكية النفوس وتطهيرها من أمراضها وأدرانها ونقائصها ورذائلها . . وأخيرا تأتى عملية التعليم لهذه النفوس بعد ما استعدت وتهيأت ، وبعد ما تطهرت وزكت . . وبعد ما أشرقت واستنارت ، تأتى عملية التعليم ثمرة مباركة لشجرة الإيمان والتزكية ، ونتيجة معطاءة لمقدمات مدروسة صحيحة ، وهدى ورحمة وخيرا وسعادة للمتعلمين ، ولأمتهم وللإنسانية من حولهم . . وقد وصف اللّه كتابه بصفة البركة ، ووسمه بهذه السمة ، ودعانا إلى تلمس مظاهر هذه الصفة ، والوقوف على ألوان البركة القرآنية الشاملة العامة ، ولا أعنى بها البركة بمفهومها المنتشر عند المسلمين اليوم من الخير والعطاء والزيادة في الأجر والثواب ، لا أعنى هذا فقط - كما أنني لا أنفيه من القرآن ، فهو مبارك بهذا المفهوم - وإنما أعنى بها البركة في المفهوم القرآني ، وهي - كما قال العلامة الراغب الأصفهاني في كتابه الفريد المفردات - « والبركة ثبوت الخير الإلهى في الشيء ، وسمى بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة ، والمبارك ما فيه ذلك الخير ، ومن ذلك وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 50 ) [ الأنبياء : 50 ] .